default | grid-3 | grid-2

Post per Page

لا يعطش الجيم إلا قليلاَ



يعود كما يعود الجاهل فإذا به لا يعرف من يعرفه ولا يذكر من يذكره بالذي كان ومضى، وإذا بالصغار شبوا والصغيرات تزوجن وأنجبن البنين والبنات، والجدة العجوز ذهب ضوء عينيها، واستراحت لعتمتها المملوءة بالوجوه والحكايات، واستبدلت بصرها بيديها اليابستين، تمررهما على الوجوه والأكتاف، وتدعو بالطيب والمفرح في قادم الأيام.
يعود كما يعود الضال فإذا الطرقات التي مشى على ترابها تغيرت وتبدلت، واكتسى وجهها بالإسفلت، وإذا الشجرة العتيقة في مدخل البيت انحنى ظهرها وأطرافها، وبات يتسلقها الصغار دون تأنيب من الجد الرابض على بساطه كرحال هذه السفر في البلاد والزمن.

يعود كما ريشة أخذتها الريح يوماً في قلبها، دارت بها شرقاً وغرباً، صعدت وهبطت وتكسرت روحها بين التيه والأحزان، والآخرون يراقبونه كجني سكن الأماكن البعيدة، واستراح لغيرهم من العباد.
يعود كما الغريب لا يعطش الجيم إلا قليلاً، ولا يرتدي جلبابهم إلا نادراً، يعد قهوته ببطء على موقد كهربائي ويدخن كما حرائق العشب اليابس محترفاً الصمت والشرود، غائباً في حضوره عن مجالسهم المسكونة بالأمنيات، يلقبونه بـ " العارف" وهو المتعب المنقوص، المغصوب على الشرح والتفسير، يسألونه تحت ضوء شاحب عن العولمة فتنغلق عليه قبلهم الأدلة والتأويل، ويلوذ بالشاي الثقيل حين يختبره المتباهي بذكائه بسؤال عن المجلس الانتقالي وخارطة الطريق، وفي آخر الليل يشدون الرحال بخطوات مثقلة بالهموم والأحلام، يتبعهم نباح الكلاب الراقدة في مداخل البيوت، وأصوات ضحكاتهم تجرح السكون لكنها لا توقظ المستغرقين في النوم منذ العشاء.
يعود كما الطفل يتبع أمه كالظل، يضيق صدره حين يرقب تجاعيدها الصغيرة تحت عينيها، ويفور دمه لحظة تسأله عن التي لا تعرف أنها ضاعت، يراوغ محترفاً ويقبل يديها كاتماً طغيان رغبته في البكاء، يقول لها عن البلاد التي لم ترها، يحدثها عن الطيب والخبيث من الناس فتدعو له ولأبناء الحلال، وترجوه أن يخطف قليلاً من الوقت ليطل على خاله على الطرف البعيد من البلدة، وتصمت حين يستدرجها بسؤال عما يغضب الأب في غيابه.
يعود فتعود إليه ذاكرته القديمة، يعرف الآن كم أنفق من العمر خلف سراب يتنقل، لا حصد راحة ولا استراح لمعرفة ولا اطمأن إلى غاية.
ها هو العائد بشياطينه يهذي، ويشير إلى صور قديمة على الجدران: " كلما أحببتهم سقطوا من القطار. "

ليست هناك تعليقات



www.4kamal.com

استقبل جديد تأويل على بريدك الإليكتروني




Error Page Image

Error Page Image

Oooops.... Could not find it!!!

The page you were looking for, could not be found. You may have typed the address incorrectly or you may have used an outdated link.

Go to Homepage