تلك الليلة لم ينم كعادته حزيناً
لم يترك صوت الموسيقى عاليا ليؤنس وحدته لحظة دخوله النوم العصي، ولم يرقد خائفاً كالأطفال، وعيناه معلقتان بضوء المصباح المعلق في سقف الممر المؤدي إلى غرفة نومه.
لم يتذكر طواعية وجوه الذين يعرفهم ورحلوا تاركين في القلب وجعاً وفي الذاكرة صوراً وأماكن وحكايات تزدحم على سريره كما الكوابيس.
لم يكن يرغب في صحبة الغائبين كما تعود، ولم يشأ أن يمنح روحه كما الليالي الطويلة الكثيرة لأولئك الذين استردهم الله في حضوره وفي غيبته.
لم يكن مستعداً أن يراجع خطواته في الطرقات والشوارع، ويحصي قبل نعاسه ملامح الهامشيين المتعبين، ويراقب في عيونهم أسى الحياة في المدن الكبيرة.
لم يكن جاهزلأسئلته الحزينة: كيف يعارك الناس ظلالهم في ضيق المكان والرزق؟ وكيف ينامون قبل العاشرة مسكونين بالريح ،ومعطرين برائحة الحصاد القليل الذي لا ينفع إلا قليلاً.
لم يكن محاصراً بالأرق فيهرب إلى فيلم قديم، أو كتاب يروي عن معنى النار، أو يفسر أحوال الناس حين يلتبس عليهم الحنين والفقد، وربما قطع الممر متثاقلاً إلى مطبخه الصغير، صانعاً قهوته دون أن يدرك كم يعطي للأرق الثقيل مسحة من الوقت، وأرضاً جديدة في روحه.
لم يكن يسأل تلك الليلة عن الأشباح التي رأى في طفولته، وعن الشجر العتيق الذي استبدله الناس بشجر الظل، وعن المساءات المقطوعة من زمن السفر والغياب، والأم التي تتحايل على رحيله، لم يكن يرغب في النوم باكياً كالأطفال. لم تكن ليلته كما كل لياليه، تلك الليلة ثمة يد صغيرة ناعمة جاءت من خياله واستقرت على جبهته، ثمة صوت دافئ قرأ من أجله الرقية الشرعية، لم يكن يهذي في جنونه القديم، لكنه في قلب الفرح المحموم ربما صار يغني قليلاً حين سقطت في يديه وردة الحدائق البعيدة.
ما الذي تغير ؟ سأل الغريب نفسه وهو يتتبع جريان البهجة المنتقاة في دمه، رأى المحبة وطناً، والقطارات مسكن الألفة، والقرى سريراً أخضر، والمدن عناوين روحه.
تلك الليلة وجد الغريب تأويل اسمه " تمام الشيء "

ليست هناك تعليقات