default | grid-3 | grid-2

Post per Page

رسائل الأماكن


كيف استطعت بحنجرة ولحن أن تجهز الفتى للحسرة في الحب؟ في ماضي القرى استدرجتَ روحه بأغنية يوم كان الليل أغنية، كتاباً للساهرين، وعابرو طرق التراب قادمون من زيارات وعزاءات، وللكلاب نباحها خلف اهتزازات العصا، فيما يطل الفتى من نافذة خشب وطين، يقظته من غرائبه إذا حل النعاس على بشر البيت وبهائمه، معلق بأصوات تجئه من صندوق المذياع، يخفض الصوت حتى لا يضبطه أحد، فيما يرفع سبابته باتجاه نجمة في سماء بعيدة.
 كان صوتك غير ما سمع من لهجات، وأنت تشد النبرة فتشد شريانه:( وليلة كانت الفرقا، وقالت لي .. فـ أمــان الله، وليلة ذكرها يبقى على جرحي.. ولا أنساه، وجت تاخذ رسايلها ..و خصلة من جدايلها، وتديني جوباتي، بقايا عمر، بسماتي، وقالت لي.. فـ أمــان الله).
كان صوتك غير ما ذاق الفتى من عسل الأصوات وحزنها ، كأنك قرين "حليمه" الذي كان يتبعه في الحب والفقد، فيرتج القلب ، يود ولو يبكي على من تبكيهم أنت بالغناء: (في ليله كنها الليلة عرفتك بسمتي و فجري، و ليلة زي ذي الليلة وهبتك في الأمل عمري، يا ليت البسمة ما كانت ولا الإحساس، ويا ليت الدنيا خانتني وكل الناس، ولا خنتي هواي إنتي، ولا قلتي .. فـ أمـان الله)
سنوات وهو يصمت عن سؤال: هل اليتم بيت الأصوات الجميلة؟ هل في اليتم يد من حزن  تلمس الحناجر فلا تشبه في الغناء غيرها؟  لم يكن صمت السؤال إلا حيرة أما صوتين في قلب الفتى: "حليم" وأنت، أنتَ الذي فارقك الأب في السادسة من العمر، فذقت الأسى، وجربت الفقر والحزن، كيف عبرت إليه هكذا على عربة مذهبة من الموسيقى؟، كيف استطعت أن تقنع النغمة أن تكون تذكرة روحك إلى حيث ذهب الصوت وذاع؟
 ثمة نخلة أمام البيت سمعتك فطاب تمرها، ثمة طيور صغيرة احتلت شرفة الخشب والطين، والجارة المشغولة بشجرة الموز، تركت سؤالها على أول الطريق: مال الفتى معزول، هل مسه الصوت، أم أن "الرسايل" حكايته في القادم المجهول؟
كان الزمن يركض بعربته على جسر التراب، والفتى يحملك من أرض إلى أرض، يقول اسمك إذا سأله الناس عن أصوات مسته بسحرها، اسمك في قائمة الأصابع الخمس، كأنما كان يدرك أن "أماكن القلب" لن تحلو إلا بصوتك، أخذت الفتى من أغنية إلى أغنية، عبرت به من ريح إلى ريح، وحططت به على بهجة وحسرة: (الاماكن كلها مشــتاقة لك، والعيون اللي انرسم فيها خيالك، والحنين اللي سرى بروحي وجالك، ماهو بس أنا حبيبي، الأماكن كلها مشتاقة لك).
كانت ثمة يد تنام في يد، ثمة وسادة من حريرالأصابع تسكن دمه، وشوارع شاهدة على فرح وطفولة. إنه أنت أيها العبقري، قيدت الفتي بحالتين، بأغنيتين، ما بعد " الرسايل"، وما قبل " الأماكن"، وبينهما يذهب الفتى ويجيء.

تأويل
لا أريد الحنين إلى أحد
سأتبرأ من سنواتي الأخيرة
أصعد شجرة عالية
وأراقب الغابة من بعيد
أكتفي ببضع ثمرات
وقليل من الهواء
لن أتذكر غير ما يبهجني
لن أنزل إليكم
سوى مرة واحدة
حين يسقط جسدي
كثمرة ناضجة
في فم الموت
لا أريد الحنين إلى أحد
فقط، أريد أصابعي كما هي
فمي كما هو
ونحافتي المهيأة للطيران
مقال ( كاريكاتيزما ) - مجلة الصدى - 22 مايو 2011

ليست هناك تعليقات



www.4kamal.com

استقبل جديد تأويل على بريدك الإليكتروني




Error Page Image

Error Page Image

Oooops.... Could not find it!!!

The page you were looking for, could not be found. You may have typed the address incorrectly or you may have used an outdated link.

Go to Homepage