default | grid-3 | grid-2

Post per Page

دراسة في قصيدة الأصدقاء



  دار الانتشار العربي 

بقلم الدكتور عبد الناصر هلال
أستاذ النقد الأدبي الحديث في كلية الآداب جامعة جازان- السعودية
1
تقصد الدراسة بهذا العنوان إيضاح العلاقة بين إيقاع التفعيلة المستقرة في ذاكرة الموسيقى الشعرية وقانونها من خلال بنية تكوينها، أي من خلال مقاطعها، فالتفعيلات العروضية تتكون مثلاً من مقاطع ثلاثة أو نوى ثلاثة هي: فا، علن، علتن، وردت في بنية الانتظام في الشعر التقليدي وشعر التفعيلة الذي حررها فقط من عدد ترددها في السطر الشعري بدلا من سلطة النظام والنموذج الكائن في عدد محدد من التفاعيل لكل بحر، أما محاولة قصيدة النثر فكانت كسر هذا النمط الانتظامي التتابعي لخصائص التفعيلية وحركتها في سياق النص، وخلق علاقة جديدة لها تقوم على الخلل المتماهي مع التوتر الانفعالي وحركته غير المنضبطة أوالمنتظمة تحقيقاً مع مبدأ تجاوب المعطى الإيقاعي مع المكون الانفعالي بوصفه نتاجاً، يكشف العلاقة بين حركة الشعور -الكائن بين مد وجزر- وحركة الدلالة
والدراسة ستتخذ من تكوين النوى الثلاث إجراء تحليلياً إيقاعية يختلف عن النظام الذي أقرته الإيقاعية الخليلية، حيث حافظت الإيقاعية الخليلية على انتظام وتتابع النواتين اللتين تشكلان تفعيلة البحر الذي تسير عليه موسيقى القصيدة في انتظام وسيمترية محكمة، منضبطة، مقننة، هذا النظام الصارم الذي يتأكد وجوده قبل وجود القصيدة، أي أنه معد سلفاً، سابقاً على وجودها الذي لم يتشكل بعد، شكل جاهز لتجربة غير جاهزة !! ومن هنا كان سعي قصيدة الحداثة – التي تربت في حضن التفعيلة زمناً إبداعياً طويلاً، استوعبت فيه كل إمكانات الإيقاع المقدس والذاكرة المحتلبة وقرع الطبول، الذي يشكل ابتهاج القبائل – إلى الانفلات من قبضة السلطة الإيقاعية المستقرة والاتجاه إلى براءة الإنسان وبراءة الإبداع، فأصبح لكل حالة إيقاعها ولكل حالة تكويناتها وزمنها الخاص، واضطرابها وتواترها وانحيازها لذاكرة خاصة على حساب الذاكرة الجمعيةالتي تنتفي تكرس النموذجية والتقديس، وتنفي الخصوصية والتفرد التي تقوم عليها قصيدة النثر، وتحرص على الحياة في كنفها وهوائها الطبيعي وهو النقي المعنتق من تعقيم العرف الضيقة
كانت التفعيلة في القصيدة الموزونة تتشكل عبر تردد نواتين تردداً منتظماً من النوى الثلاث المكونة لإيقاع الشعر العربي، وقد رصد كمال أبوديب تحولات الإيقاع وانتظامه من خلال هذه النوي في دراسة مطولة أعدها بديلا للقراءة العروضية التي عرفتها الذاكرة العربية في كتابه "البنية اللإيقاعية للشعر العربي". وإذا حدث نوع من عدم الانتظام المحكم لحركة النواتين في سياق القصيدة، أصبح عيباً وخللاً أطلق عليه بعض النقاد كسراً عروضياً، يلام عليه الشاعر، وكثيراً ما كان يقع شاعر في معضلة يفرضها السياق أو القامية حتى يستقيم هذا النمط الإيقاعي المنتظم فيخالف القاعدة الصرفية أو النحوية أو اللغوية تمسكاً بالنظام الموسيقي وحفظاً على انتظام الحركة الإيقاعية المقدسة، وكان النقاد يقولون عن الشاعر الذي يقع في قصيدته هذا الجرم أنه صالح "الخليل " وخاصم " سيبويه" وهذا يؤكد مدى صلابة الوعي الجمالي وحرصه على التقليد لا نزوعه نحو ذاته التي تختلف عن ذوات الآخرين في علاقتها مع نفسها ومع العالم، ويؤكد عدم الرغبة في النظر في الوعى الجمالي الموروث ومناقشته وربطه بسياق اللحظة الجمالية المتغيرة، فالكسر العروضي أو الخلل في انتظام تردد النوى داخل التفعيلة له دوافعه على اعتبار أن المنجز الكتابي رد فعل للدافع أو حركة الداخل، فهو ناتج عن خلل أو كسر في حركة الشعور أو نبض الروح أو توتر العواطف أو ارتعاش النفس واضطرابها أو كسرها !! وبالتالي تكون صورة الإيقاع في وضعها المصاب بالخلل استجابة طبيعية لخلل الذات وتغير حالتها، وتجسيداً للفطري والعفوي، وإشارة إلى التدفق الذي تحرص عليه قصيدة النثر. أما الحفاظ على النسق والسيمترية أو تتابع نوى التفعيلة عبر سواكنها ومتحركاتها في إطار تنظيم صارم يؤكد القصدية، ويشير إلى أن (الإيقاعات المعدة سلفاً في كتابات الشعراء تخضع بقدر – قل أو كثر – لنوع من القصدية التي تخرج النص من براءة الإبداع.) وفي هذا السياق اكرر ما قاله رفعت سلام:  ما من شيء يغري بالنشيد، ولا حتى بالرثاء. فمن أين يجيء الإيقاع المضبوط، القياسي، المتواصل بلا اختلال، فيما الكون يعج بالفوضى، والروح بالتضارب ؟ أمن خارج الكون؟ أم من خارج الروح؟
في ظل هذه الرؤية لعلاقة التلقائية بالإيقاع وعلاقة الحالة الشعورية بحركة النوى المكونة للإيقاع، ستتناول الدراسة قصيدة "الأصدقاء " لـ "كمال عبد الحميد" من ديوان (الوسيلة المتاحة للبهجة – فصلان في الجحيم)، لترصد حركة الإيقاع المنطلقة مع حرية الكتابة الإبداعية، وتطالع التشكيلات الإيقاعية التي تحققها الذات في عزفها وبكائها وأنينها ونحيبها وهمسها وصراخها، في صمتها وتأملها لجراحها وللكون

2
الأَصدقاءُ
كنتُ أقفُ على مقابِرهِم
أسألُ: كيفَ ماتوا مرةً واحدةً؟
وكان الحفارُ قد جاوَزَ المائة بِعامين
هكذا رأيتُه وهو يتقيأ دماً أسودَ
ولا يجيبُني
كنتُ خائفاً بعد أن عرفتهم واحداً واحداً
ومطمئناً لأنني لستُ بينهم
وبعد أن تحسستُ عظامهم
بكيتُ
لم تكن أحقادُهم معَهم
كانوا طيبينَ إلى حد الأسَى
لكنني بكَيتُ بمرارةٍ أكثرَ
وارتعشتُ أمام عظامٍ أعرفُها
أنا هنا إذاً
ولذا كان الحفَّارُ يبكي
وكان الدمُ الذي يتقيأه أسودَ
والمقابرُ التي بحجمِ شقةٍ متوسطةٍ
قطعتُها جرياً في ثلاث ساعاتٍ ..
ثلاثَ ساعاتٍ وأنا التفت خلفِي هارباً
ولأنني أتقلبُ كثيراً في كوابيسي
أيقظتنِي زوجتي على حافة السريرِ
قبلَ حركةٍ واحدةٍ من السقوطِ
قطعت هذه القصيدة أواصر الصداقة مع النمط الاعتيادي سواءً أكان كلاسيكياً أم تفعيليا على مستوى البنية الإيقاعية، كما أنها تركت تقينة المجاز بمفهومه الأرسطي، واتجهت صوب ما يعمق حداثتها فخرجت على النمط البدائي الواحد، واغترفت من بنية الفنون الأخرى خصوصا السرد، وأضفت على بنيتها ما يعزز عمقها ووعيها وتخليها على السطحية وانتسابها إلى الحداثة
لقد فرض السرد إيقاعه على بنية القصيدة وأضفى عليها مسحة التأمل والهدوء، فالشاعر راو، يسرد من الداخل، إنه راو عليم، يصف وهو يلتحم بالأمكنة والأزمنة، له حضور عيني من خلال ضمير المتكلم
وهناك تباين بين إيقاع السرد وإيقاع الحوار وإيقاع المجاز، فـ"إيقاع أسلوب السرد ووصف الأمكنة لا بد أن يكون أكثر ميلاً إلى الهدوء والبطء من إيقاع أسلوب المحادثة أو الحوار الذي يميل إلى السرعة في الإيقاع لكونه يقوم على عناصر الحديث الذي يحمل أسئلة وإجابات، وبتعبير آخر " إيقاع السرد ينبع من ذات الفرد الكاتب وهو يسترسل بالوصف أو الحدث تبعاً لرغباته الخاصة، بينما يتألف إيقاع الحوار من المشاركة مع الآخر، أي أنه ليس ذاتياً محضاً وثابتاً بل متغير لأنه ينبع من ذات واحدة
فالذات الساردة في قصيدة "كمال عبد الحميد" متأملة، متحركة، محتكة، تخلق الأحداث وتشارك في نموها، وتركن للوصف لترصد ملامح العالم وهي مشدودة إلى عناصر تكوينه، وترغب في اللحظة ذاتها الانفصال عنه لتتخلق من جديد، وتغير مواقع الاحتكاك والجدل، تستدعي التاريخ وتفك مكوناته، تقف مع كل معطى من معطيات اكتمال المشهد، تواجه نفسها بهذا التاريخ، تتكسر أمام الذاكرة، وتستعيد نفسها، ترفض زمن السواد الذي انتاب مكونات تاريخها السري: الحفار الذي يتقيأ دماً أسود
يحاكم " كمال عبد الحميد " زمن البراءة / الأصدقاء الذين كونتهم الذاكرة في كتابها السري، من هنا تتحرك إيقاعات الوصف وتتوتر إيقاعات الأحداث، وتتغير صورة الصوت الذي يشكل إيقاع الحالة وهي تلتقط علاقات متعددة، فالتوتر والجدل وإيقاع التذكر– بما يحمله من أسى– لا يشكل وجها أو صورة مستقرة أو متناسقة أو منضبطة، فلا بد أن تتغير صور الإيقاع تبعاً لتغير حركة الذات من خلال رصدنا لمكونات الإيقاع عبر النوى الثلاث ( فا / 5)، ( علن//5)، (علتن ///5 )، ونرى كيف تسير حركة التكوين الإيقاعي عبر تحولات هذه النوى، وما سينتج عن تكرارها من تشكيلات إيقاعية
3
وإذا كان كمال أبو ديب في دراسته "البنية الإيقاعية للشعر العربي" قد اعتمد على الوحدتين الإيقاعيتين فاعلن / فعولن /5//5 - //5/5، ورأى أنهما يمكن أن يتحولا إلى نواتين إيقاعيتين أعمق جذريا هما ( علن / فا ). وأن تشكل الوحدتين يعتمد علاقة   (فا / 5) بـ (علن //5) من حيث التتابع الأفقي (فعولن //5/5) هي إذن (علن + فا) بينما (فاعلن) هي (فا + علن). ورأى أبو ديب أن(علتن) يمكن تقسيمها إلى          (فا – علن) (/ - //5) ولكنه تقسيم قسري، إرادة للتسهيل والتوضيح. ولكن هذا الإعتقاد يظل قسرياً على الرغم من الهدف منه ولكن الأجدي تقسيم البحور وتحليلها عن طريق ثلاث نوى إيقاعية هي (فا / 5)، ( علن//5)، (علتن///5). وهذا التقسيم هو الذي تعتمد عليه الدراسة في تحليلها لقصيدة الأصدقاء
وإذا كان الشعر العربي قد اعتمد في تشكيلاته الإيقاعية الموزونة على التكرار التام للواحدة. فإنه لم يتجاوز الشكل التام لها وهو تكرار الوحدة أربع مرات كالتالي
فاعلن  فاعلن  فاعلن  فاعلن
وقد رأى أبو ديب ان هذا التكرار للوحدة الإيقاعية (فاعلن) يمكن أن تصبح كالتالي
علن فا  علن فا  علن فا  علن فا
ومن أجل خلق تشكيلات جديدة يمكن أن تصبح كالتالي
علن فا  علن فا  فا فا  علن فا  فا فا
وهكذا،  ما فعله كمال أبو ديب" هو تأسيس نظام آخر. إنه يكشف عن الطاقة الموسيقية في اللغة ويدل على مفاتيح تفجيرها، وإذا كانت تشكلات أبو ديب الإيقاعية بالاصول / البحور وتكرارها في إطار نسقي متغير الفروع لكن الأصل: إيقاع الوحدة المكررة تنتج تشكيلات متوازية، فإن دراستنا تكشف التغيرات الإيقاعية وتحولاتها وتشكلاتها غير المنتظمة أو المتكررة في نسق ثابت، حتى وإن حدث تكرار للنوى الثلاث غير أن تكرارها لا يعد نمطا أو قانونا أو نموذجا، إنه تكرار الفوضى أو تكرار على غير قاعدة، كما تدخل وحدات أو تشكيلات إيقاعية مختلفة عن النوى في حجم بنائها. وهذا ما يدل على زخم الإيقاع المتنوع في قصيدة النثر والشعر في الوقت نفسه إلى أهم مميزاتها: عدم القوننة أو النمذجة
4
تتحرك قصيدة الأصدقاء حركة غير منتظمة، تتحول من تشكيل إيقاعي إلى آخر، وربما تتكرر نواة ما بين النوى الثلاث، فتحدث انتظاما في زمن إيقاعي محدد، وأحيانا تنتشر تشكيلات إيقاعية خارج نطاق النوى مما يؤكد كما هي لحظة الوجود الخارجي في علاقة جدلية بين الذات والعالم وايقاع الكتابة، الذي يعد تطهيراً، تتوق إليه الروح، وتترجمه الحالة الشعورية
ترصد الدراسة مكونات الإيقاع في القصيدة عبر تردد متحركاتها وسواكنها التي تشكل مقاطع صوتية تشير إلى حركة الشعور، وتقوم الدراسة بكتابة كل سطر من القصيدة مصحوباً بالتقطيع لمكونات الإيقاع، كما تشيرالدراسة إلى إحصاء الحروف المجهورة والمهموسة في السطر، حتى يعاين القارئ حركة الإيقاع.
..............................
هذا النمط البنائي القائم على بنية الحكي وهي بنية سردية، تمنح الشاعر هدوءاً في التأمل، فيقدم مزيداً من التفاصيل والجزيئات في تصوير الحالة الشعورية التي هيمنت عليه، ترددت ( فا /5) مرة واحدة في السطر وسيطرت نوى علن //5 وعلتن ///5، وترددت بنية إيقاعية خارج نطاق النوى الثلاث- المتعارف عليها- تتكون من ست حركات ( //////5)، وهي وحدة موسيقية ممتدة لم ترد في القصيدة كلها إلا مرة واحدة تستغرق زمنا إيقاعياً طويلاً يفرض زمن الوقوف وحركته الممتدة في الوقت نفسه: زمن الحسرة والفجيعة الذي يشير إلى عمق اللحظة والشعور بطولها، ليكون الإيقاع بطيئاً يتماثل مع زمن التأمل والوقوف على مقابر الأصدقاء الذين تحول زمن وجودهم إلى زمن فقد فجأة دون سابق إنذار، وكأن الشاعر وقع على الفجيعة وهو يمارس إيقاع الحزن والصدمة واستعادة التوازن، كأنه يقع تحت تأثير الضغط النفسي والشعوري اللذين يصلان إلى الاختناق فيضغط على الإيقاع عبر مقاطعه الصوتية الطويلة التي تتجاوز الحركة والسكون! أكثر من حركة وتردد حروف الجهر بصورة مهيمنة حيث ورد الجهر ثنتي عشرة مرة في مقابل حروف الهمس أربع مرات
وهذه النسبة تشير إلى الملمح النفسي المصاحب لإيقاع الحكي وحال الشاعر العاطفية من خلال حروف الجهر، فحرف الجهر هو حرف اشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه، حيث يحدث انسداد مجرى الصوت كلياً، يمنع النفس أن يجري معه نتيجة المغلق المحكم يعقبه انفجار أو انسداد جزئي يسمح للهواء بالمرور مع وجود خفيف يعقبه احتكاك
كما يحتاج الجهر إلى بطء في الأداء. وكلما ازداد نسق الجهر في النص خفت الأداء وضعف، وهي حروف تحتاج إلى سرعة وشدة أثناء الأداء، على عكس الهمس في البناء النصي ،حيث يؤدي إلى قوة الأداء، لأن حروف الهمس أقل وضوحاً في السمع

  .....................
فصل من كتاب  
   قصيدة النثرالعربية بين سلطة الذاكرة و شعرية المساءلة
  دار الانتشار- بيروت - 2012- بيروت - 2012

هناك تعليق واحد

  1. أجمل الأعياد عيد انت فيه
    .. كل سنة وأنت طيب

    ردحذف



www.4kamal.com

استقبل جديد تأويل على بريدك الإليكتروني




Error Page Image

Error Page Image

Oooops.... Could not find it!!!

The page you were looking for, could not be found. You may have typed the address incorrectly or you may have used an outdated link.

Go to Homepage